سيد محمد طنطاوي

256

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) * . أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإسلام بعد كفرهم وضلالهم . وقوله * ( أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) * أي أو يعذبهم في الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات ، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب ، وما ظلمهم اللَّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى . وعلى هذا يكون قوله - تعالى - * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا : ولقد نصركم اللَّه ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر ، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ، أو يعذبهم في الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم ، وليس لك من أمرهم شيء ، إنما أنت رسول من عند اللَّه - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم . وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال : وقوله : * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * اعتراض . والمعنى أن اللَّه مالك أمرهم ، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر ، وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم . . وقيل إن * ( أَوْ ) * بمعنى « إلا أن » كقولك : لألزمنك أو تقضيني حقي ، على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم ، أو يعذبهم فتتشفى منهم « 1 » . فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين في غزوة بدر أكمل بيان ، لأن فريقا منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين ، وفريقا كبتوا وذلوا ، وفريقا من اللَّه عليهم بالإسلام فأسلموا ، وفريقا عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا في الدنيا بالذل والصغار . و « أو » التي جيء بها بين هذه الجمل للتقسيم . هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل اللَّه - تعالى - * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) * . ومنها ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 413 بتلخيص .